• الفلسفة والمنهج

    الفلسفة والمنهج

     

    يكاد المفكرون والفلاسفة المعاصرون , أن يجمعوا على أن ديكارت,هو مؤسس العقلانية الحديثة بدون منازع . وذلك لتجاوزه للفلسفة الميتافيزيقية المرتبطة بأرسطو طاليس , ودعوته إلى استخدام العقل, ونبذ التقليد مهما كان مصدره ,ووضع كل أصناف المعرفة, على محك الشك- المنهجي- إلى أن يبرهن عليها العقل ,أو يقبلها لكونها بديهية و واضحة بذاتها لا تحتاج إلى برهان .كقولنا مثلا: الكل أكبر من جزئه أو المتساويان لثالث متساويان

    يرى ديكارت, أن العقل كأداة لمعرفة وإدراك العالم والسيطرة عليه , فطري , غير مكتسب, ولا ثقافي. قسمه الله على الناس بالتساوي, ولم يظلم فيه أحد. فهو ذكاء ونهج, وتقنية. به نميز بين الحق والباطل. يقول ديكارت :{العقل هو ملكة المعرفة التي وهبنا الله إياها, والتي نطلق عليها النور الطبيعي. لا تدرك أي موضوع,إلا ويكون إدراكها له صادقا. أي واضحا ومتميزا .}

    أما الاختلاف الذي قد يحدث بين الناس في الحكم. فهو راجع إلى طريقة ,ومنهج استعمال العقل. وليس إلى تفاوتهم, وتمايزهم في العقل. (إن العقل هو أعدل قسمة بين الناس. ) وعلى هذا الأساس, بإمكان الجميع أن يكتشف الحقيقة, ويصل إليها بشرط واحد.هو الانطلاق من مبادئ سليمة وصحيحة.

    أما الأخطاء التي قد نقع فيها. فما هي إلا نتيجة للفوضى التي يسقط فيها العقل, أثناء معالجته للأفكار الغامضة الغير واضحة .وعليه فيجب أن نشك في أي فكرة ولا نقبلها إلا بعد عرضها على العقل ليفحصها .

    بقول ديكارت:{ لن نقبل بعد اليوم أي فكرة, إلا بعد أن نضعها على محك التفحص العقلي ,أو الغربلة المنهجية .وسوف نشك في كل شيء حتى نثبت صحته .}تعتبر هذه القولة الديكارتية إعلانا لتأسيس منهج جديد للبحث هو ما يعرف بالشك المنهجي . وهو شك مرحلي, مؤقت,سرعان ما ينقلنا إلى اليقين . لا يقبل التردد والضياع, كما هو الشأن بالنسبة للشك ألريبي, المنسوب للفيلسوف اليوناني "بيرون".والذي ينفي أصحابه الحقيقة, ولا يفرقون بين الخطأ والصواب .فكل شيء بالنسبة إليهم في هذا العالم غير موجود وغير صحيح

    وضع ديكارت أربعة قواعد لمنهجه, واعتبرها ضرورية, لكل من يريد أن يصل إلى المعرفة الصحيحة

    (1)الشك في كل شيء, إلا ما كان بديهيا وواضحا بذاته للعقل, وهذا يعني التريث وعدم التسرع في الحكم

    (2)التحليل, ومعناه تقسيم ووتجزيء كل مسألة إلى أجزاء, حتى أذلل الصعوبات التي تعترضني و أتمكن من حلها بالطريقة الملائمة

    (3) التركيب, وهو ترتيب الأفكار والتأملات, وفق نظام التدرج, من السهل إلى الصعب ,ومن البسيط الواضح, إلى المركب المعقد .لأتأكد من صحة نتائج التحليل

    (4) المراجعة ,وتعني الإحصاء الكامل, الشامل .أي مراجعة عامة ,تمكن من الإحاطة بالمشكلة المطروحة للدراسة والبحث , حتى نتحرى الدقة المعلوماتية و لا نغفل شيئا أو جانبا منها

    في آخر المطاف اهتدى ديكارت إلى حقيقة " الكوجيطو" (أنا أشك, إذا أنا أفكر ,وأنا أفكر, إذن أنا موجود) وهي حقيقة أساسية ,لا يطالها الشك ,ولا سبيل له إليها,حتى ولو أراد ذلك.لأنها هي اليقين الأول

    قد يعتقد جل المفكرين المهتمين بالبحث العلمي, أن ديكارت هو أول من أثار منهج الشك ,أو ما يمكن أن نسميه بمنهج التحري والتقصي إلا أن هناك شواهد من القرآن الكريم تثبت عكس ذلك ,فهذا سيدنا إبراهيم عليه, وعلى نبينا السلام يحاور الكون فيقول :{ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ري لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر قلما أفلت قال يا قومي إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين}(سورة الأنعام 74_79)

    فهذه الآية الكريمة تثبت تجربة التحري المنهجي ,أو ما يسمى بالشك الديكارتي وهو تأمل فكري الهدف منه الوصول إلى الحقيقة ,ونبذ الخرفات والأساطير المفسدة للعقل .وهناك شهادة أخرى من القرآن الكريم , لا تترك مجالا للشك في أن نبي الله خاض تجربة الشك المنهجي, ليحصل على ثمرة الإيمان ,و يزداد معرفة بالله . فقال :{ وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تومن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا .} (سورة البقرة 26)

    نستنتج من هذه الآية الكريمة , أن إبراهيم عليه السلام, حكم العقل ,واستقرأ الواقع, وخاض تجربة الشك, من أجل الوصول إلى الاطمئنان, الذي لا يكون إلا باليقين. يقول هيجل :( فنحن جميعا ديكارتيون بشكل أو آخر , فكل شخص يريد أن يفكر بشكل عقلاني منهجي هو ديكارتي

     

     

        الرجوع

  • تعليقات

    1
    الخميس 14 ماي 2015 في 19:50

    had shu mzn cool

     

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق