• الفلسفة والدين

    الفلسفة والدين

    لقد حاولت الفلسفة في كل مرحلة من مراحل تاريخها, معالجة القضايا والإشكالات, التي تشغل أهل العصر. مستخدمة الأسلوب والمصطلحات الملائمة لثقافة ذلك العصر.فمثلا في العصر الوسيط , حاول ابن رشد ,كفيلسوف إسلامي, حل إشكالية العلاقة بين الفلسفة والدين, أو بالأحرى معالجة الصراع والتضارب القائم بين تصورات أرسطو الفلسفية , وميتافيزيقا القرآن الكريم حول مسألة الخلق , وأصل الكون , ومصيره , والإنسان ومهمته في هذا الكون. وهل هو خير بطبعه ؟أم على العكس من ذلك شرير بطبعه ؟

     

     

    صحيح أن القرآن الكريم ليس كتاب فلسفة , ولا علم .لأنه ينأى عن أسلوب ومنهج الفلاسفة, الذين لا يخاطبون إلا أمثالهم من الحكماء والفلاسفة . بل يتواصون بكتمان نظرياتهم الفلسفية عن العامة لأنهم ليسوا أهلا لها. {حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله} (قول منسوب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه) . كما أنه لا يهتم بعرض القضايا الميتافيزيقية في شكل نسقي تتوقف عناصرها على بعضها البعض, مع الترابط و التسلسل المنطقي فيما بينها , ولا يعمل على تبويبها , ولا يطنب في ذكر التفاصيل المملة, التي تستعصي على الفهم والإدراك , و لا يتعمد التعقيد وعدم الوضوح, كما هو شائع في الكتب الفلسفية. فهو كتاب دين وهداية , يتوجه إلى قلب وعقل الإنسان, ليحصل له الإيمان , وينظم حياته الواقعية , على أسس أخلاقية, تتناسب مع كرامته . ومع ذلك فهو لم يغفل المواضيع الميتافيزيقية التي شغلت الفلسفة والفلاسفة على مر العصور. كقضية طبيعة الله سبحانه وتعالى, وعلاقته بالعالم والإنسان ,وكيفية الخلق و البعث

    لقد تضمن القرآن الكريم, آيات وحقائق توقيفية, كتلك التي تنسب إلى الله سبحانه وتعالى, صفة السمع والبصر واليدين والوجه والاستواء على العرش والقدرة والإرادة وما إلى ذلك من الصفات التي تشبه صفات البشر . أو كتلك التي تتطرق إلى مسألة القضاء والقدر, أو الجبر والاختيار. والتي يعجز العقل البشري عن إدراكها وفهمها . وإذا خاض فيها, سقط في التناقض والتيه, مع تضييع الوقت .لأنه لا طاقة له في معرفة كنهها , لمحدودية عقله ,كما أشار إلى ذلك إمانويل كانط في القرن الثامن عشر. إلا أن الاصطدام الحضاري , والضغط الثقافي , الذي خضع له المسلمون, خصوصا من الفلسفة اليونانية, والصراع السياسي على الخلافة جعلهم يهتمون وبشغف كبير بالحقائق التوقيفية ,فامتهنوا التأويل ,وخاضوا في المجرد , فكانت النتيجة نشأة الفلسفة الإسلامية, وما تلاها من صراع فكري بين الفرق الإسلامية , تجلى بوضوح في علم الكلام . و على العكس من ذلك لما ارتبط المفكر المسلم بالآيات التوفيقية ,التي اهتمت بالتشريع, والمعاملات, وكل ما له علاقة , أوصلة بالحياة اليومية للإنسان . برع في فهمها وإدراكها , وأنشأ مجموعة من العلوم في مجال التشريع , والأصول , كما توصل إلى ابتكار مناهج علمية ,(المنهج التجريبي) أدت بدورها إلى اكتشافات , واختراعات , تدين لها الحضارة المعاصرة ,ومكنت الإنسان من السيطرة على الطبيعة, وحققت له الرفاهية.

     

     

    المنهج القرآني

    لقد جاء القرآن الكريم للناس كافة . فكان من الطبيعي , أن يراعي اختلاف قدراتهم العقلية والفكرية , في مخاطبتهم ومجادلتهم , وأن يعتمد التنوع في أسلوب الدعوة . فاستعمل أحيانا المنهج الخطابي, الذي يعتمد على أسلوب الإقناع العاطفي والموعظة الممزوجة بالترغيب كقوله تعالى :{ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار . كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأوتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وخم فيها خالدون }(البقرة الآية 25)

    والترهيب .كقوله تعالى :{إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ,كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب }) سورة النساء الآية56)

    وقوله :{والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم عذابها } (سورة فاطر الآية36)

    وأحيانا أخرى يستعمل الدليل والبرهان العقلي , والحجة البالغة. كما جاء في قوله تعالى :{يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز. } (الحج ألآية73-74)

    كما دعا القرآن الكريم, إلى استخدام العقل, بمختلف درجاته ومستوياته للتمييز بين الحق والباطل, والخطأ والصواب, ونبذ التقليد , وشد الانتباه إلى النظام العجيب الكامن وراء هذا الكون .كما ورد في قوله تعالى :{ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون .وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } الرعد 1-2-3

    وباختصار فلقد نوع القرآن الكريم أساليب الدعوة ومناهجها بتنوع الطينة البشرية فكان حصيلة ذلك ,أن استجاب الناس, إلى دعوته الكريمة ,على اختلاف طبائعهم, وأفكارهم, ولغاتهم ,وحضاراتهم ,وعلى مر العصور. وما زالوا يدخلون أفواجا, أفواجا في دينه الحنيف. كلما سنحت لهم فرصة الاحتكاك بالقرآن الكريم

    قاموس المصطلحات

    الملائمة : المناسبة خير بطبعه :ذو طبيعة خيرة ,فهو خير بالفطرة

    ينأى : يبتعد نسق نظام لعناصر الأفكار بحيث كل عنصر من العناصر يتوقف :على غيره من العناصر ليشكل الكل

    يطنب : يبالغ ويكثر

    توقيفية : تعجز العقل وتوقفه وتحد من قدرته على المعرفة

    الجبر : نفي الحرية ,مسير الاختيار إثبات الحرية والقدرة على الفعل

    التيه : الضلال كنهها :حقيقتها وبتعبير كانط الشيء في ذاته

    علم الكلام : علم التوحيد, العلم الذي خاض في كلام الله أي القرآن الكريم :هل هو مخلوق أم كلام الله مرتبط بذاته

    الممزوجة : المختلطة

     

     

        الرجوع

  • تعليقات

    لا يوجد تعليقات

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق