• الــــفــــن / 2

        الدرس رقم 1     الدرس رقم 2     الدرس رقم 3     الدرس رقم 4

      

                                                  الــــفــــن

     

    تقديـــــم:

    إن الفن « L’art » هو فاعلية إنسانية تهدف إلى إنتاج قيم جمالية، أو إبداع آثار فنية تبتغي تحقيق مثال الجمال وقد ظل مفهوم الفن في المجتمع الحرفي الوسيط يقترن لأمد طويل بالصنعة و بالنشاط المنتج، حيث كان الفنان يرادف الصانع أو الحرفي لأن كليهما يبدع عبر نشاط منتج، أثرا جميلا، ولم يتميز الفن كنشاط إبداعي خالص عن الممارسات التقنية و الحرفية، إلا انطلاقا من القرن 18، فتشكلت الإستيطيقا بوصفها مبحثا فلسفيا يعني بدراسة الإبداع الفني.

     

    و الفن في دلالته اللغوية العربية وكما عرفه "ابن منظور" في معجمه "لسان العرب" اسم لفعل فن أو فنن الشيء أي أتقنه وجعله مثيرا للإعجاب، ويقال رجل مفن، أي يأتي بالعجائب، ويقال أيضا فن أو تفنن الرجل في الكلام أي أتقنه وزينه بالمحسنات اللفظية فالفن إذن وفي دلالته اللغوية العربية، إتقان وجمال وهو المعنى نفسه الذي يلاحظ في اللغات الأجنبية، حيث تشتق كلمة Art من الكلمة اللاتينية Ars التي يقصد بها كل معرفة عملية تقوم على مهارة خاصة وتخص موضوعا معينا.

     

    فما الدلالة الفلسفية لمفهوم الفن؟

     

    على مستوى الدلالة الفلسفية اقترن مفهوم الفن بمعنى صناعي عام، ويعني الإنتاج « Poiesis » أي الإنتاج المتقن لموضوعات وقيم استعمالية وفق قواعد معينة وهنا يطابق الفن المهارة القابلة للتعليم و التعلم، كما ارتبط الفن بمعنى جمالي «Sensation, Aisthesis » ويعني صناعة منتجة لقيم وموضوعات جمالية خالصة، غير موجهة للاستعمال و الاستفادة المادية بل للمتعة وتنمية الإحساس الجمالي.

     

    - يضعنا هذا التحديد الدلالي لمفهوم الفن، أمام مجموعة من الإشكالات؟ ما الفن؟ و ما طبيعته؟ هل هو محض صنعة أو نشاط تقني أم أنه يملك خصائص تميزه عن باقي انتاجات الفاعلية الإنسانية؟ وكيف يتحدد حكمنا الجمالي على أثر فني ما؟ أي ما الذي يجعلني أحكم على لوحة أو لحن ما بأنه جميل؟ هل يصدر هذا الحكم عن معرفة مكتسبة وخبرة فنية سابقة أم عن ذوق وإحساس ذاتي خالص؟ بمعنى آخر هل الحكم الجمالي هو حكم ذاتي خاص أم حكم موضوعي يعتمد الخبرة و الغايات المحددة سلفا أم أن الأمر غير ذلك؟ ثم كيف يتأتى لنا فهم الموضوعات الفنية المنتجة؟ هل باعتبارها مجرد محاكاة لموضوعات خارجية، طبيعية كانت أو إنسانية أم هي إبداع لموضوعات جمالية خالصة، تفسر بواسطة التخيل؟.

     

     

     

    المحور الأول: ما هو الفن؟

     

    * قبل الإجابة عن هذه الإشكالات من الضروري تحديد معنى الفن وهو فاعلية إنسانية مثلها مثل الفعاليات الأخرى وهو عمل إنساني واع وحر يتطلب الموهبة من جهة والمهارة من جهة أخرى كما أنه عمل ممتع غير قابل لتعلم بمعنى لا يمكن إنجازه بمجرد معرفة قواعده، كما أنه ذو غاية جمالية وجدانية "لكن ما الذي يميز الفن عن باقي الفعاليات الأخرى"؟ "وهل يعتبر العمل الفني غبداعا لقيم جمالية إنسانية" أم أنه صنعة ونشاط حرفي تقني؟

     

     

     

    · موقف إيمانويل كانط: Emmanuel Kant (1724-1804)

    - النص الذي بين أيدينا هو للفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" المقتبس من كتاب "نقد ملكة الحكم" ولقد ميز فيه بين العمل الفني ومجموعة من الفعاليات الأخرى كالعمل الطبيعي و العمل العملي، و العمل الحرفي. فالعمل الفني ناتج عن إرادة حرة عاقلة وهو عمل حر أما العمل الطبيعي فهو خالي من أي تفكير عقلي بل هو ناتج عن طبيعة غريزية. بالإضافة إلى أن الفن يمتاز عن العلم بكون هذا الأخير خاضع لقواعد منهجية ومبادئ وقوانين ويتوخى منه مجموعة من الأهداف بينما لا يحتاج منا الفن لأي مهارة أو معرفة أو قدرة على صنعه وإنجازه فهو يخرج عن المعتاد و المألوف وإن كان الفن أيضا نشاط حر لا ينتظر منه الربح و الكسب فهو ليس وسيلة بل غاية في ذاته فإن الحرفة هي نشاط خالي من أي إرادة حرة بل هي شاقة متعبة و وسيلة فقط لربح المال.

     

     

     

    * موقف مارتن هايدڭر: Martin Heidegger (1889-1976)

    يؤكد "مارتن هايدكر" في محاضرته "أصل العمل الفني" على الطابع الشيء للآثار الفنية، وما يزيد تأكيدا لذلك هو ما يلمس في المعمار الفني من حضور للحجر، أو الخشب أو الرخام في المنحوتات الفنية و اللون في اللوحة و الصوت في الأثر اللغوي، و الرنين في الأثر الموسيقي لكن حضور الشيء في المنتوج الفني ليس هو الذي يمنحه طابعا فنيا إبداعيا، بل إحضار الشيء الغائب أي ما يحمله الأثر الفني من دلالات ورموز، وهذا البعد التمثيلي و الرمزي هو ما يضفي على أي أثر مادي طابعا فنيا.

     

     

     

    * استنتاج:

    نستنتج من خلال تحليل النصين أن العمل الفني هو عمل حر غايته في ذاته لا يخضع لقوانين أو قواعد ولا يتوخى منه ربح مادي وهذا ما يميزه عن باقي الأعمال الأخرى كالعلم و الحرفة كما لماهية الفن قيمة فكرية وتاريخية فلا يمكن إنكار ما للشيء المادي من حضور في عملية بناء الفن فاللوحة الفنية هي قبل كل شيء مواد، فرشات، و أصباغ وقماش وإطار من خشب أو معدن لكن هذه المواد تبقى لاشيء أمام إبداعية الفنان الذي يضع لمسته الإنسانية على هذه العناصر المادية فيجعل الحياة تدب في أوصال اللوحة فيصبح المعنى و الرمز هو جوهرها.

     

     

     

     

    المحور الثاني: الحكم الجمالي

     

    * قبل التطرق إلى إشكالات هذا المحور من الضروري تعريف معنى الحكم الجمالي فمثلا إذا تأملنا لوحة رسام أو نصتنا إلى معزوفة موسيقية أو شاهدنا مسرحية أو قطعة منحوتة فإننا نشعر بشيء ما يشدنا إليها فلا نخفي هذا الانشداد إلى العمل الفني ونعبر عنه بالحكم جمالي يجعلنا نعترف بإعجابنا واستمتاعنا لكن هل هذا الحكم الجمالي هو حكم ذاتي يختلف من شخص إلى آخر أم أنه حكم كوني يتفق حوله الجميع؟

     

     

     

    * موقف دافيد هيوم:

    - ذهب الفيلسوف الانجليزي "دافيد هيوم" David Hume (1711-1776)

    في موقف له بعنوان "دراسات استطيقية « Les essais esthétiques » إلى اعتبار المبادئ العامة للذوق هي مبادئ مشتركة إلا أن التقديرات الفنية و الحساسيات الجمالية تخدع مع ذلك للمتغيرات الاجتماعية و المزاج الشخصي و الخبرات الفردية وهذا هو مصدر اختلاف الأحكام الجمالية بين الناس.

     

     

     

    * موقف إيمانويل كانط:

    - يذهب "إيمانويل كانط" في كتابه نقد ملكة الحكم إلى أن الحكم الجمالي هو حكم ذوقي أي هو موضوع متعة فنية خالصة تخص ملكة الحكم بعيدا عن كل منفعة مادية كما أنه يختلف في ذوقه عن الحكم المعرفي الذي يقوم على الفهم في إدراكه للموضوعات الخارجية. أضف إلى ذلك أن الحكم الجمالي هو كوني ذاتي بخلاف الحكم المعرفي الذي هو فقط موضوعي.

     

     

     

    * استنتاج:

    نستنتج إذن من خلال الموقفين أن الحكم الجمالي هو حكم ذاتي مشترك بالرغم من اختلاف أذواق الناس الذي يرجع أساسا إما إلى فساد ملكاتهم الذوقية بسبب أحكام مسبقة وانعدام الخبرة بالفنون أو غياب الحس الفني النقدي كما أن الحكم الجمالي يختلف عن الحكم المعرفي فإن كان الأول يتعلق بمشاعر اللذة و الإشباع أو الاستحسان و الاستهجان فالثاني يرتبط بالفهم ومعنى هذا أننا نفقد تذوق الجميل عندما نحاول فهم الأشياء التي نراها ونسمعها فالوردة عندما نشرحها مثلا لنعرف عناصرها الكيميائية لا ريب أننا نفقدها جمالها، إن الجميل غايته تنبع منه، يحملها معه، تكسوها ظلال وسحب من التأمل الفني الخالص.

     

     

     

    المحور الثالث: الفن و الواقع

     

    * غالبا ما يتم تحديد علاقة العمل الفني بالواقع بوصفها علاقة محاكاة وتقليد بحيث تصبح اللوحة " نسخة" للشيء الذي تعكسه كما لو كان معروضا أمام مرآة أو على صفحة الماء لكن هل الفن محاكاة يسعى إلى نقل الواقع حرفيا؟ أي هل الفن هو محاكاة للموضوعات الخارجية طبيعية كانت أو إنسانية أم هو إبداع حر لموضوعات جمالية خالصة تفسر بواسطة التخيل؟

     

     

    * موقف أفلاطون:

     · انطلق أفلاطون في كتابة "الجمهورية" من تصور سلبي للفن بأنه محاكاة وإعادة إنتاج النماذج الطبيعية وأن الجمال الفني هو تقليد للجمال الطبيعي وتشكيل على مقاسه إلا أن هذا التقليد يقوم على وهم، إذ أن الكائنات الطبيعية ذاتها ليست سوى محاكاة لموجودات حقيقية هي المثل، فالفن إذن في نظر أفلاطون يوهم بتجسيد الواقع بينما هو يكتفي بإعادة إنتاج الظاهر ولا ينفد إلى ماهية الأشياء، ولهذا السبب أقصى أفلاطون الفنانين من جمهوريته الفاضلة لأنهم في نظره لا ينتجون إلا أوهاما.

     

     

     

     موقف هيجل:

     يذهب الفيلسوف الألماني هيجل Hegel (1831-1770) في مؤلف بعنوان "مدخل إلى علم الجمال" إلى القول أن نظرية المحاكاة ان كان لها من هدف شكلي خالص فهو هدف شكلي خالص، وهي إشارة ضمنية لخلو هذه النظرية من كل مضمون فكري أو روحي بحجة تكرارها لما هو موجود في العالم الخارجي ، و التكرار لا طائل منه ولا منفعة، لذا نجد "هيجل" يسائل هذا التكرار ويشكك في قيمته ويصف المجهود المبذول في هذا الجانب "بالباطل و الا مجدي" بل يشبهه بلعبة باعثة على الغرور و الإعجاب بالذات لا تقدم في النهاية سوى أوهام أحادية الجانب وصورة كاريكاتورية عن الحياة.

     

    بهذه الأوصاف و التشبيهات السلبية يحاول "هيجل" إظهار محدودية هذه النظرية بل الكشف عن تهافتها حينما يدعي مؤيدوها بأن المحاكاة في الفن تولد اللذة أو المتعة الفنية وإن كان هناك فعلا متعة فهي متعة وهمية.

     

     

     

    * استنتاج:

     إذن من خلال النصين يتبين لنا وجه التباين فإن كان يرى أفلاطون يرى أن الانتاج الفني ليس سوى ضرب من الوهم و النسخ لمعطيات العالم المثالي فمع هيجل يتبين لنا أن الفن الحقيقي لا يقف عند حد النقل و الاستنساخ لما هو موجود في الطبيعة لأنه لو كان كذلك لكان فن التصوير الفوتوغرافي هو أكثر الفنون جدارة و قيمة لكن المسالة على خلاف ذلك تماما.

     

     

     

    خلاصة

     - إذن "فالفن" واقعة إنسانية وبعبارة أخرى التمثل الإنساني للطبيعة فإذا كان الرسام والروائي أو أي فنان لا يقنع بنقل المشاهد ولا بتسجيل الأحداث فما ذلك إلا لشعورهم جميعا بان دورهم ليس هو تقبل العالم و إنما تملكه و بالتالي تغييره لأن الفنان هو قبل كل شيء إنسان يعيش أحداث عصره يتأثر بها ويؤثر فيها فهناك إذن تداخل في عملية الإبداع الفني بين ذاتية الفنان و المحيط الخارجي الطبيعي منه و الإنساني.

     

    المصدر http://tafalsouf.com

        الدرس رقم 1     الدرس رقم 2     الدرس رقم 3     الدرس رقم 4

     

        الرجوع

  • تعليقات

    لا يوجد تعليقات

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق