• اللغة / 4

        الدرس رقم 1     الدرس رقم 2
        الدرس رقم 3     الدرس رقم 4

      

                                                        اللغة

      

     المحور الأول: ما اللغة ؟

    جاء في المعجم الفلسفي لأندري لالاند A.Lalande ما يلي: ... للغة معنيان، معنى خاص ومعنى عام:

     

    - المعنى الخاص: « اللغة هي وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر داخليا وخارجيا ».

    - المعنى العام: « اللغة هي كل نسق من العلامات يمكن أن يتخذ وسيلة للتواصل ».

     

    · يتبين أن اللغة الكلامية خاصة بالإنسان وحده لأنها تتطلب قدرات عقلية وإبداعية لا يمتلكها الحيوان. غير أنه يمكن أيضا الحديث عن نوع من اللغة الحيوانية التي تمكن أفراد النوع الحيواني الواحد من التواصل فيما بينهم باستخدام بعض العلامات مثل الرقصات عند النحل.

    وهذا سيجعلنا نتساءل: هل اللغة خاصة بالإنسان وحده ؟ وما الذي يميز اللغة الإنسانية عن أشكال التواصل لدى الحيوانات ؟

     

    · هناك تداخل بين ثلاثة مصطلحات هي: اللغة، اللسان والكلام. ويمكن القول بأن اللغة ملكة تخص كل الناس، بينما يختص اللسان بالمجتمع الواحد، في حين يتعلق الكلام بالفرد الواحد. فما المقصود بهذه المصطلحات على وجه الدقة ؟ وكيف تتحدد العلاقات بينها ؟

     

     

    · تحليل نص إميل بنفنست E.Benvéniste :

    · النص:

    « إن ملكة الترميز عند الإنسان تبلغ أقصى تحققها في اللغة، التي هي التعبير الرمزي بامتياز، وكل أنظمة التواصل الأخرى، الخطية والحركية والبصرية …الخ، تتفرع عنها وتفترضها مسبقا. إن اللغة نظام رمزي خاص منتظم على صعيدين: فهي من جهة واقعة فيزيائية، إذ أنها تستخدم الجهاز الصوتي لتظهر، والجهاز السمعي لتدرك، ومن هذا الجانب المادي فهي قابلة للملاحظة، والوصف والتسجيل، وهي من جهة أخرى بنية لامادية، وإيصال لمدلولات معوضة للأحداث والتجارب ¨بالإشارة إليها¨. تلك هي اللغة، كيان ذو وجهين، لذلك فإن الرمز اللساني هو رمز توسطي، إنه ينظم الفكر ويتحقق في شكل خاص، وهو يجعل التجربة الباطنية لذات ما منفتحة على ذات أخرى في تعبير متمفصل وممثل، وليس عبر إشارة مثل صيحة معدلة: إنه يتحقق في لسان محدد، خاص بمجتمع متميز عن غيره، وليس في بث صوتي يشترك فيه الجنس كله.

    إن اللغة تقدم لنا نموذج البنية العلائقية بالمعنى الأكثر حرفية للكلمة والأكثر شمولا في الوقت نفسه. فهي تضع كلمات ومفاهيم في علاقة داخل الخطاب، منتجة بذلك – في تمثلها لأشياء ووضعيات- علامات متميزة عن علاماتها المادية. إنها تؤسس هذه التحويلات القياسية للتسمية المصطلح عليها بالمجاز، والتي هي عامل بالغ الأهمية في الإثراء المفهومي. إنها ترتب القضايا في مجال الاستدلال فتصبح أداة الفكر المنطقي.

    وأخيرا إن اللغة هي النظام الرمزي الأكثر اقتصادا، فهي، خلافا لأنظمة تمثيلية أخرى لا تتطلب أي مجهود عضلي، ولا ينتج عنها تنقل بدني ولا تفرض استعمالا فيه عناء …

    أن يوجد نظام من الرموز مثل هذا، فذلك يكشف لنا عن أحد المعطيات الجوهرية، الأكثر عمقا ربما، للمنزلة البشرية. ذلك أنه لا توجد علاقة طبيعية آنية ومباشرة بين الإنسان والعالم، ولا بين الإنسان والإنسان، فلا بد في ذلك من وسيط، أي ذلك الجهاز الرمزي الذي جعل اللغة والفكر ممكنين. وخارج الدائرة البيولوجية، فإن القدرة الرمزية هي أخص خصائص الكائن البشري.»

     

    · التحليل:

    - إن اللغة هي ملكة رمزية تتميز عن الأنظمة الرمزية الأخرى سواء الخطية أو الحركية أو البصرية أو غيرها، إنها أرقى وأسمى نظام رمزي يستخدمه الإنسان. ولعل سمو اللغة الكلامية يأتي من قدرتها الهائلة على التعبير عن أفكار ومعاني دقيقة ومعقدة من جهة، ولا نهائية من جهة أخرى. وهذا بفضل خاصية التمفصل المزدوج التي تتميز بها؛ بحيث يمكن للإنسان أن يركب بين الفونيمات أو المونيمات ويستبدل مواقعها لكي ينتج أفكار غنية ومتعددة، كما يمكنه عن طريق الرموز اللسانية أن يتحدث عن أشياء كثيرة في ظرف وجيز ودون استحضارها فعلا. ومن هذه الخصائص لا نجدها تتوفر بالكيفية نفسها في باقي الأنظمة الرمزية الأخرى غير الكلامية.

    - ويميز إميل بنفنيست في هذا النص بين جانبين أساسيين في اللغة؛ مادي ولامادي. فالجانب المادي يتمثل في كون اللغة واقعة فيزيائية؛ فهي تتطلب جهازا صوتيا وجهازا سمعيا يرتكز على أعضاء مثل اللسان والفم والحنجرة والدماغ والأذن. أما الجانب اللامادي فيتمثل فيما تحمله علامات اللغة من معاني ودلالات متعددة.

    - وتلعب اللغة دور الوساطة بين الإنسان والعالم من جهة، وبين إنسان وإنسان آخر من جهة أخرى؛ فهي تحتوي على رموز وعلامات تمثل أشياء الواقع وتعبر عن تصورات يحملها الإنسان تجاه الكون والحياة، كما أنها تمكن الإنسان من التعبير عن تجربته الباطنية بما تحمله من مشاعر وأفكار، وتحقيق التواصل مع الآخرين داخل المجتمع.

    - كما تعتبر اللغة بمثابة بنية تتكون من عناصر تخضع لعلاقات صارمة تتجلى في قواعد النحو والتركيب، وبدونها لا يمكن إنتاج كلام مفهوم وذا معنى. إن للغة إذن منطق خاص بها هو الذي يجعلها تتضمن سلطة تمارسها على الذوات المتكلمة بها. كما يستخدم الإنسان اللغة أيضا لممارسة الاستدلال المنطقي والدفاع عن أفكاره وإقناع الآخرين بها. فالأساليب الحجاجية في الفلسفة مثلا هي في جوهرها أساليب لغوية؛ أي أن الفيلسوف يستخدم اللغة في نصوصه على نحو معين وبكيفية يتمكن من خلالها من استمالة القارئ وإقناعه بأطروحة ما.

    - ويمكن الإشارة في نص بنفينيست إلى خاصية أخرى للغة، قد نسمح لأنفسنا بنعتها بالخاصية الاقتصادية، وهي تتمثل في أنها تسمح للإنسان من استخدامها دون عناء ودون بذل مجهود جسدي كبير؛ فيكفيه أن يحرك شفتيه وهو مستلقيا لكي يبوح بأفكار أو مشاعر متعددة وكثيرة.

    هكذا تجعل اللغة الإنسان يحتل مرتبة سامية داخل الكون. فبواسطة اللغة يتمكن الإنسان من الارتقاء فوق مملكة العضويات الحية وولوج عوالم رمزية لا قبل للحيوان غير العاقل بها.، كالأسطورة والفن والدين والفلسفة وغير ذلك. وبهذا يمكن القول بأن اللغة بالمعنى الدقيق هي خاصية تميز الإنسان وحده دون سائر الكائنات.

     

     

    · اللغة واللسان والكلام:

    كيف تتحدد العلاقات بين هذه المصطلحات الثلاث ؟ وما الفرق الدقيق بينها ؟

    للإجابة عن هذا الإشكال سنستثمر نص دوسوسير De Saussure التالي:

    « إن اللسان هو مجموع المواصفات الضرورية المتبناة من طرف الجسم الاجتماعي، لكي يتمكن الأفراد من استعمال ملكة اللغة. إن ملكة اللغة مخالفة للسان، ولكنها لا يمكن أن تمارس بدونه. عن طريق الكلام نعين فعل الفرد وهو يحقق ملكته بواسطة المواضعة الاجتماعية التي هي اللسان …

    بالتفريق بين اللسان والكلام، فنحن نفرق في الوقت ذاته:

    1- بين ما هو اجتماعي وبين ما هو فردي.

    2- بين ما هو أساسي وما هو ثانوي.

     

    ليس اللسان وظيفة الذات المتكلمة، إنه نتاج ما يخزنه الفرد كما يعطاه. وهو لا يفترض أبدا تأملا مسبقا، كما أن التفكير لا يتدخل فيه إلا من خلال فعل الترتيب …

    وبالعكس فغن الكلام هو فعل فردي نابع من الإرادة والذكاء، والذي يمكن التمييز فيه بين:

    1- التوليفات التي بواسطتها تستعمل الذات المتكلمة الرمز اللساني من أجل التعبقير عن فكرتها الشخصية.

    2- الآلية السيكولوجية التي تمكنه من إظهار هذه التوليفات. »

     

     

      

    · تحليل النص:

    · اللغة /اللسان /الكلام:

    - يشير اللسان إلى المواضعة الاجتماعية، أي إلى ما اتفق عليه أفراد مجتمع ما من علامات ورموز لسانية، وما تحمله من ثقافة وأفكار، أما اللغة فهي ملكة فطرية تمنح لجميع اللسان، وهي التي تؤهلهم لتعلم لسان ما وممارسته بشكل فردي من خلال الكلام. أما الكلام فيشير إلى تلك المهارات والقدرات التي يمتلكها كل فرد في استعماله لملكة اللغة بالاستناد إلى لسان معين.

     

    · اللسان/اللغة:

    لا يمكن لملكة اللغة أن تتحقق ويتم استعمالها واقعيا إلا من خلال اللسان؛ فالإنسان يولد وهو مزود بيولوجيا وفطريا بالقدرة على تعلم اللغة ومزاولتها، لكنه لا يتأتى له ذلك إلا بواسطة اللسان الذي يعبر عن مجموعة من الوحدات الصوتية (الفونيمات) والوحدات الدلالية (المونيمات) التي تنتظم وفقا لعلاقات محددة لكي تعبر عن ثقافة المجتمع والقيم السائدة فيه.

     

    · اللسان /الكلام:

    إن الكلام يعبر عن مهارات وقدرات فردية، إلا أنه لا يمكن للفرد أن يمارس تلك القدرات إلا من خلال اللسان. ولذلك يمكن اعتبار هذا الأخير بمثابة وعاء أو مرجع لا بد أن يعود إليه الفرد وينهل منه لتشكيل صور كلامية خاصة به.

    إن اللسان يعبر إذن عما هو اجتماعي بينما يعبر الكلام عما هو فردي، فاللسان هو الأساسي في حين يبقى الكلام ثانويا، ويأتي في مرتبة ثانية، فلا يمكنه التحقق إلا بعد أن يكون اللسان قد وجد من قبل.

    لكن مع ذلك فللكلام أهمية كبيرة ومهمة بالنسبة للسان؛ إذ أن تحقق اللسان من خلال الكلام هو ما يمنحه الحياة والتجديد والتطور والاستمرارية. فحينما لا يعود الأفراد يتكلمون بلسان ما ويتداولونه بينهم فإن مصيره هو الموت وأن يظل حبيس الرفوف والوثائق، ولعل هذا ما تشير إليه عبارة ” اللغات الميتة “.

    - إن اللسان يمنح للفرد عبر التنشئة الاجتماعية ، فيخزنه في ذاته ثم بعد ذلك يتدخل فيه بفعل الترتيب والتنظيم، حيث نجد أن الذات المتكلمة تعمل على ترتيب الرموز اللسانية من أجل التعبير عن مشاعرها وأفكارها الشخصية.

    - إن الكلام هو فعل فردي يرتبط بالذكاء والقدرات العقلية من جهة، ويرتبط بحرية الفرد وإرادته من جهة أخرى. هكذا تقوم الذات المتكلمة بالتأليف بين الرموز العلامات اللسانية من أجل التعبير عن تجربتها الباطنية. كما أن طريق كلام الفرد ترتبط بحالاته النفسية والسيكولوجية؛ فنحن أن طريقة كلام شخص يسير في جنازة إنسان عزيز عليه تختلف عن طريقة كلامه وهو يعيش الفرح والنشوة في مناسبة سارة.

     

      المحور الثاني: اللغة والفكر .

      

    إشكال المحور:

    إذا كنا نعتبر أن اللغة هي أداة للتعبير عن الفكر، فهل يعني ذلك أنها مجرد وسيلة فقد للتعبير عن فكر سابق عليها أن أنها الفكر نفسه ؟ هل يمكن التفكير بدون لغة ؟ وهل للفكر وجود خارج عالم الكلمات ؟ وهل حدود اللغة هي حدود الفكر أم أن هذا الأخير قد يكون أوسع نطاق من اللغة وأنها قد تظل في بعض الحالات عاجزة عن التعبير عنه ؟

    في إطار الإجابة عن هذا الإشكال يمكن تقديم موقفين رئيسيين؛ الأول يفصل بين اللغة والفكر ويعطي الأسبقية للفكر على اللغة، والثاني يربط بينها ويعتبر أنهما متماهيان ولا يمكن الحديث عن وجود أحدهما بمعزل عن الآخر.

    وسنتخذ الفيلسوفين الفرنسيين ديكارت وميرلوبنتي كممثلين لهذين الموقفين، بينما سنشير إلى موقف مواطنهما برجسون بصدد مسألة عجز اللغة عن التعبير عن العالم الروحي للإنسان.

    · أطروحة ديكارت:

    « ليس من بين أفعالنا الخارجية ما يمكن أن يؤكد لمن يتفحصها أن جسمنا ليس مجرد آلة تتحرك من تلقاء نفسها وحسب، بل إن فيه أيضا نفسا تتضمن أفكارا بدون كلمات … ».

    يميز ديكارت، كفيلسوف عقلاني، في الإنسان بين جسم ونفس؛ فالجسم ذو طبيعة مادية وخاصيته هي الامتداد القابل للقسمة، أما النفس فهي ذات طبيعة عقلية وفكرية وخاصيتها هي التفكير.والعلاقة بين الجسم والنفس هي علاقة انفصالية، فالجسم لا يستطيع التحرك من تلقاء نفسه بل إن النفس هي التي تحركه على نحو من الأنحاء. وهذه العلاقة الموجودة بين الجسم والنفس تشبه العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر؛ فاللغة ذات طبيعة مادية حسية بينما الفكر ذو طبيعة روحية وعقلية، والعلاقة بينهما هي علاقة انفصالية مادام أنه يتعذر على شيئين من طبيعتين مختلفتين أن يتمازجا ويتداخلا. ونحن نجد أن ديكارت يمنح الأسبقية للفكر على اللغة، ويعتبر هذه الأخيرة مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار وإظهارها على مستوى الواقع.

    · أطروحة ميرلوبنتي:

    · تحليل النص ص 53:

    - النص:

    « إذا كان الكلام يقتضي وجود الفكر سلفا، وإذا كان فعل الكلام هو أولا الاقتران بالشيء قصد معرفته وتمثله، فإننا لا نفهم لماذا يتجه الفكر نحو التعبير كما لو كان يتجه نحو اكتماله. لماذا يبدو لنا الشيء الأكثر اعتيادا غير محدد ما لم نجد له اسما ؟ لماذا تكون الذات المفكرة في حالة جهل بأفكارها ما لم تعبر عنها لذاتها أو تصرح بها وتكتبها، كما يوضح ذلك مثال أغلبية المؤلفين الذين يبدأون بتأليف كتبهم بدون معرفة دقيقة بالمضامين التي سيكتبونها. عن الفكر الذي يكتفي بالوجود لذاته – خارج مورثات الكلام والتواصل – سيسقط في اللاشعور بمجرد ظهوره، الأمر الذي يعني أن هذا الفكر لن يوجد ولو من أجل ذاته …

    إنها بالفعل تجربة تفكير، بالمعنى الذي نقدم فيه فكرتنا لأنفسنا بواسطة الكلام الداخلي والخارجي. إنها تتطور في الحين وبسرعة كبيرة، ولكن يبقى لنا بعد ذلك أن نمتلكها، وعن طريق التعبير تصبح ملكنا لنا.

    إن تسمية الأشياء لا تتم بعد التعرف عليها، إنها التعرف عينه. فعندما أبصر شيئا في ضوء خافت، وأقول: ” هذه ممسحة ” فلا يوجد في ذهني مفهوم الممسحة الذي أدرج تحته الشيء، والذي سيكون – من جهة أخرى – مرتبطا بواسطة علاقة متواترة مع كلمة ممسحة. وبفرض الكلمة على الشيء، يصبح لدي وعي ببلوغ هذا الشيء. وكما سبق، فإن الشيء بالنسبة للطفل يبقى غير معروف حتى تتم تسميته، فالاسم هو ماهية الشيء التي تكمن فيه بنفس الطريقة التي يكمن فيها لونه وشكله. »

    M.Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, 1945 Col.Tel,Ed, Gallimard, pp 206-207.

    - تحليل النص:

    + إن الكلام لا معنى له بدون أن يعبر عن الفكر، كما أن هذا الأخير لا يظهر على أرض الواقع إلا بواسطة كلمات اللغة.

    وحينما ترتبط الكلمات بالأشياء فلكي تعبر عن تصورات وتمثلات يحملها الإنسان تجاهها. فنحن نعرف أشياء الواقع عن طريق تسميتها، فإذا لم نسمي الشيء فكأننا لا نعرفه أو كأنه غير موجود بالنسبة إلينا.

    كما أن الإنسان يظل جاهلا بأفكاره، وتظل هذه الأفكار غامضة، ما لم يتم التعبير عنها شفويا أو كتابيا.

    ولتوضيح هذه الفكرة الأخيرة، قدم لنا ميرلوبنتي مثالا يتعلق بهؤلاء المؤلفين الذين لا يكونون على علم بكل الأفكار التي ستتضمنها كتبهم أثناء شروعهم في تأليفها، بل هم يتعرفون عليها بعد أن ينتهون من تأليفها. وهذا يدل على أهمية اللغة في إنتاج الفكر وتوضيحه.

    ولذلك فالفكر الذي يحاول الاكتفاء بذاته والتواجد خارج كلمات اللغة سيظل حبيس اللاشعور، أي سيبقى قابعا في غموضه وغير مفهوم حتى بالنسبة إلى الذات نفسها.

    يتبين أن ميرلوبنتي يدافع عن الأطروحة التي تربط اللغة بالفكر وتقول بصعوبة الفصل بينهما، وعدم أسبقية أحدهما عن الآخر.

    + إن الإنسان لا يخوض تجربة التفكير الباطني إلا من خلال كلمات اللغة، كما أن الفكر الداخلي هو كلام داخلي. فنحن نفكر بواسطة اللغة، فكلماتها هي التي تنسج الفكر وتجعله ممكنا.

    وهذا يعني أنه لا وجود لأسبقية بين اللغة والفكر، فهما مترابطان ويتكونان في آن واحد.

    وقد اعتبر ميرلوبنتي أننا لا نمتلك الفكر ولا تصبح الأفكار ملكا لنا إلا عن طريق التعبير عنها بواسطة كلمات اللغة.

    + ويحدثنا ميرلوبنتي عن العلاقة بين الكلمة والشيء؛ حيث يرى أن هناك علاقة ارتباط قوية بين الاسم والشيء الذي يدل عليه، فلا يمكن أن نكون معرفة بالأشياء إلا من خلال تسميتها بواسطة كلمات اللغة. كما أنه لا تصبح لدي فكرة عن الشيء ولا يصبح لدي وعي به حينما أسميه بكلمة ما.

    وهذا يدل على صعوبة الفصل بين اللغة والفكر وعلى عدم وجود أسبقية بينهما.

    فليس الاسم مجرد علامة عرضية وسطحية وعابرة تدل على الشيء، بل هو ماهية الشيء نفسه؛ فلا يمكن معرفة حقيقة الشيء إلا من خلال تمييزه باسم ما.

    · إذا كانت اللغة مرتبطة بالفكر، فهل معنى ذلك أن حدود اللغة هي حدود الفكر ؟ ألا يمكن لهذا الأخير أن يكون أوسع نطاق من اللغة ؟ ألا يحصل لكلمات اللغة أن تعجز أحيانا عن مواكبة أفكارنا ومشاعرنا بحيث لا تقوى عن التعبير عنها ؟

    من الملاحظ أن الإنسان يستخدم وسائل تعبير أخرى بالإضافة إلى اللغة الكلامية، مثل الموسيقى والرسم والرقص والرموز الرياضية وغير ذلك. ولعل لجوء الإنسان إلى مثل هذه الوسائل التعبيرية هو دليل على عجز اللغة وعدم قدرتها على الإحاطة بكل العالم الداخلي للإنسان، عالم الأفكار والمشاعر الحميمية.

    وفي هذا الإطار يعتبر الفيلسوف الفرنسي المعاصر هنري برجسون أن اللغة تعجز عن الإحاطة والنفوذ إلى العالم الروحي الداخلي للإنسان؛ ذلك أنه ابتكر اللغة للسيطرة على أشياء العالم وتسميتها، وتحقيق إمكانية تبليغها والتواصل بشأنها، غير أن هذا العالم المادي هو عالم حسي وظاهري وثابت ولذلك فهو يختلف عن العالم الروحي الداخلي للإنسان، والذي يتكون من أفكار ومشاعر تمثل وعي الإنسان كوعي متغير ودائم الجريان، وهذا ما يجعل اللغة عاجزة عن التعبير عنه.

    ويمكن أن نقدم بعض الأمثلة التي توضح عجز اللغة وعدم قدرتها على مواكبة أفكارنا ومشاعرنا:

    - الحالات الصوفية: وهي حالات وجدانية وروحية يعيشها المتصوفة؛ إذ أثناء ممارستهم لمجموعة من الطقوس الدينية التعبدية يحسون بحالات شعورية ويحيون بعض التجارب الروحية، كما يدركون بعض الحقائق دون أن يكون بإمكانهم التعبير عنها بواسطة كلمات اللغة.

    - كشوفات الفكر الرياضي: يضطر علماء الرياضيات إلى اللجوء إلى الرموز الرياضية للتعبير عن الأفكار التي ينتجونها ويكتشفونها، وهذا يدل على أن اللغة الكلامية لا تطاوعهم على التعبير عن تلك الأفكار العلمية الرياضية.

    - وسائل التعبير الفنية: يعبر الإنسان في مجال الفن عن مشاعره وحالاته السيكولوجية والروحية بالاعتماد على وسائل تعبيرية مثل: الموسيقى والرسم والرقص والنحت …الخ. وهو دليل آخر على أن اللغة الكلامية لا تطاوع الإنسان دائما على التعبير عن كل مكونات فكره وخلجات إحساسه.

     

    المحور الثالث من درس اللغة: اللغة والسلطة

      

    الإشكال: إن الإنسان حيوان لغوي وهو الوقت نفسه حيوان عاقل. ولذلك هناك ارتباط قوي بين اللغة والعقل؛ فهذا الأخير يستخدمها للتعبير عن أفكاره. لكن هل باستطاعة عقل الإنسان أن يستخدم اللغة بحرية كاملة؟ ألا يمكن القول بأن اللغة تمارس سلطة قمعية على الإنسان؟ لكن أين تتجلى هذه السلطة؟ هل في الشكل أم المضمون؟ هل هي سلطة تتعلق بالبنية التركيبية الداخلية للغة أم بارتباطها بالمؤسسات الاجتماعية والأشخاص الناطقين باسمها ؟

    1- أطروحة رولان بارت:

    · سنستخلص أطروحة رولان بارت والأفكار المرتبطة انطلاقا من النص، ص55:

    يعتبر رولان بارت أن «اللغة تشريع واللسان سننه»، ولعل المقصود بذلك هو أن اللغة ملكة إنسانية توجد عند جميع الناس، والإنسان يشرع بها قوانينا ويعبر بها عن أفكار وتصورات ومشاعر إلا أنه لا يمكنه ذلك إلا باللجوء إلى الرموز اللسانية التي تترجم من خلالها الأفكار والمشاعر تبعا لقواعد وضوابط كل لسان. فاللغة إذن في حاجة إلى اللسان، إذ يمثل تحققها الفعلي على أرض الواقع.

    لكن كيف يمارس الإنسان التعبير عن طريق اللسان؟ هل يمارس الإنسان اللسان واللغة بشكل حر؟ ألا يمكن القول بأن للسان سلطة قمعية على الإنسان؟ وأين تتجلى هذه السلطة؟

    لقد اعتبر بارت أن اللسان يتضمن سلطة خفية تمارس علينا بشكل دائم بحيث لا ننتبه إلى طابعها القمعي. وتتجلى سلطة اللسان في أنه يخضع لنظام وترتيب وتحكمه قواعد نحوية وصرفية وتركيبية، ونحن حينما نتكلم به فنحن ننضبط لتلك القواعد بالضرورة وإلا أنتجنا كلاما غير مفهوم أو خارج عن الصواب. وهذا يعني أن اللغة تمارس علينا سلطة من خلال خضوعنا لبنيتها التركيبية الداخلية، فهناك إذن سلطة محايثة للغة وكامنة بداخلها.

    ولتوضيح هذه الفكرة وتدعيمها قدم لنا رولان بارت الأمثلة التالية من اللغة الفرنسية:

    - إنني ملزم في اللغة الفرنسية أن أبدأ بالفاعل قبل الفعل، وهذا مخالف للغة العربية مثلا حيث نبدأ فيها بالفعل ثم الفاعل بعد ذلك. مما يعني أن لكل لغة بنية تركيبية تمارس من خلالها سلطة وإلزاما على المتحدث بها.

    - أنا ملزم في اللغة الفرنسية أيضا بأن أتحدث بصدد الأشياء عن المذكر أو المؤنث، أما المحايد فهو غير متاح وغير ممكن. وهذا يعبر عن نوع من الإلزام الذي يحد من حريتي في ممارسة اللغة والتعبير عن أشياء الواقع.

    - إنني ملزم أيضا في اللغة الفرنسية إما أن أخاطب الآخر بضمير المخاطب العادي “أنت” أو ضمير المخاطب المعظم “أنتم”، أما تعليق تعاملي مع الآخر اجتماعيا وعاطفيا فممنوع علي.

    هكذا يبين رولان بارت أن سلطة اللغة هي سلطة داخلية وبنيوية تتعلق ببنية اللغة ذاتها.؛ حيث تتكون اللغة من عناصر تتحكم فيها علاقات حتمية وضرورية تنعكس على حرية المتكلم بها إذ تقيده بالقواعد والضوابط التي تحكم هذه البنية الداخلية للغة.

    انطلاقا من كل هذا، فأن نتكلم ليس هو أن نتواصل بل أن نسود ونسيطر. فاللغة إذن لا تمكننا من تبليغ أفكارنا كما نريد من جهة،إذ تتيح لنا التعبير عن بعضها وتحجب عنا بعضها الآخر تبعا لبنية كل لسان على حدة، كما أنها من جهة أخرى تمكننا من استخدامها للتأثير على الآخر وإخفاء أفكارنا عنه، وكأن اللغة هنا هي لعبة أقنعة فيها الإظهار والإخفاء، الصدق والكذب.

    ويتحدث رولان بارت عن خاصيتين أساسيتين للسان هما:

    أ‌- سلطة الإثبات والتوكيد القطعي: ذلك أن الإنسان يعتمد في إثباته أو نفيه لأفكار ما أو الشك فيها على أدوات لغوية تتعلق برموز اللسان وقواعده النحوية والإعرابية والتركيبية. كما يتحدث بارت عن أقنعة خاصة باللغة، ولعل المقصود بذلك هو أن اللغة تمارس علينا سلطة خفية لا نكاد نحس بها، وفي نفس الوقت أن المتكلم باللغة يمارس التمويه والخداع على الآخرين بالاعتماد على الأدوات التي تتيحها لعبة اللغة.

    ب‌- الطابع القطيعي للتكرار: ولعل المقصود بذلك هو أن اللغة تجعل الإنسان خاضعا وتابعا لسلطتها وكانه فرد داخل قطيع. أما طابع التكرار فيتجلى في كون قواعد اللغة هي قواعد متوارثة وتكرر نفسها جيلا بعد جيل، وهي بذلك تترسخ لدى أفراد المجتمع وتمارس عليهم سلطة داخلية.

    بالرغم من السلطة الكامنة في اللغة، يمكن القول بأن الإنسان ليس عبدا للغة بشكل تام بل يمتلك قسطا من الحرية في ممارستها. فصحيح أن الإنسان مكره وملزم بالخضوع لقواعد اللغة وبنيتها الداخلية، لكنه مع ذلك يعتبر واضع هذه اللغة ومبتكر لقواعدها، كما أنه يملك قسطا من الحرية في أن يركب بين علاماتها ويبدع في إنتاج أفكار لا متناهية من خلال استعماله للرموز اللسانية.

    وإذا كان رولان بارت يتحدث عن سلطة داخلية للغة، توجد في ذاتها، فهناك من الفلاسفة والعلماء من استبعدوا أن تكون للكلمات سلطة خاصة بها، وربطوا سلطتها بالشخص الذي يتحدث بها أو بالمؤسسات والسياقات الاجتماعية التي يتم فيها تداول الكلام وإلقاء الخطاب. ومن بين هؤلاء السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو.

    2- أطروحة بيير بورديو:

    · سنستخلص أطروحة بورديو والأفكار المرتبطة بها انطلاقا من النص ص57:

    يوجه بورديو نقده للأطروحة الفلسفية التي تهمل مسألة استعمالات اللغة وشروطها الاجتماعية أثناء تناول مسألة سلطتها. ويعتبر أن مثل هذه الأطروحة ذات بعد سطحي وينعتها بالساذجة، وهو ما يعني أن بورديو يتبنى أطروحة تربط سلطة اللغة بالشخص الذي يستعملها وبمكانته الاجتماعية.

    انطلاقا من هنا يميز بورديو بين علم اللسان الذي يدرس اللغة في ذاتها، ويربط سلطتها ببنيتها الداخلية، وبين علم الاستعمالات الاجتماعية للغة والذي يربط سلطة اللغة بشروطها واستعمالاتها المختلفة داخل الحقل الاجتماعي. وينتهي بورديو من خلال هذا التمييز إلى القول بأنه لا توجد سلطة أو قوة للكلمات في ذاتها، بل إن سلطتها تستمدها من الشخص الذي فوض إليه أمر التحدث بها. فاللغة تستمد سلطتها حسب بورديو من الخارج ومن المكانة الاجتماعية للمتكلم بها، كما ترتبط سلطة اللغة بالمؤسسات العلمية والسياسية والاقتصادية التي تفوض لأشخاص بعينهم لكي يتحدثوا بلسانها، وهذا التفويض المؤسساتي هو الذي يمنح لكلام هؤلاء الأشخاص تأثيرا وقوة وسلطة تتماشى مع مكانة تلك المؤسسة في النسيج الاجتماعي.

     

        الدرس رقم 1     الدرس رقم 2
        الدرس رقم 3     الدرس رقم 4

     

        الرجوع

  • تعليقات

    لا يوجد تعليقات

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق